في الذكرى السبعين للنكبة

بقلم: محمد بن عمر |

15/5/1948 تاريخ لفّ فلسطين بمظلومية لم يعرف مثلها قسوة، استهدفها الانكليز استجابة لمنظومتهم الصهيونية المهيمنة على سياسة العرش البريطاني، وكان المقصود أشمل منها، ليصل الى عمق الرباط الاسلامي، الذي يفترض أن يجمع المسلمين دولا وشعوبا، على أساس المبادئ التي جاء بها دينهم، وأهمها الاخوة والوحدة الاسلامية، والمصير المشترك.

بدأ قضم الاراضي الفلسطينية قبل هذا التاريخ بفترة، في تمهيد سريّ، أفضى الى إقامة مستوطنات مغلقة خاصة باليهود، بعد استيلائهم على مساحاتها بطرق مختلفة، غلب عليها التحيّل والعنف، وقد شهدت سنوات ما قبل اعلان قيام الكيان الصهيوني، أعمال قتل وتدمير وتشريد، تعرض لها مئات آلاف الفلسطينيين، تحوّل فيها جذاذ الآفاق الصهاينة الى أصحاب الأرض، وأصحاب الارض الى لاجئين مشردين لا يملكون حقا.

وكان الدعم البريطاني لعصابات الصهاينة في تلك الفترات كافيا لصنع الفارق، بين شعب فقير لا موارد له ولا امكانات، وبين جماعات صهيونية مدرّبة ومجهّزة ومؤطّرة، قد وفّرت لها شريكتها بريطانيا، كل وسائل الهيمنة والتمكين، ومنذ ذلك التاريخ والشعب الفلسطيني ينزف دما وذكريات أليمة، مع حصار مطبق على بقية الضفة والقطاع،  يبحث بين أهله وذويه عمن يرفع عنه المصيبة ويواسيه، فلا يجد من الدول العربية في عمومها غير التسويف والخداع.

لكنه بعد انتكاساتي سنة 48و67 ، وما تلاها من تجاهل وتفريط في القضية الفلسطينية، آمن الشعب الفلسطيني بحقيقة تقول، أنه لا غنى عن دوره الاساس في مقاومة المحتل، وبإمكانه أن يكون رقما صعبا، في مواجهة الكيان الغاصب، طالما أنه مؤمن بحقوقه المشروعة، وأن روح المقاومة لا تزال تتوقد في خيرة شبابه.

حركة فتح الفلسطينية، تعتبر أولى الحركات المسلحة، المقاومة للاحتلال الصهيوني لأراضي فلسطين، تأسست سنة 1965، وخاضت مواجهات عديدة مع العدوّ، لكنها خرجت سنة 1993 من إطار العمل الجهادي المسلح، وجناحها (كتائب شهداء الاقصى)، بعد امضاء الحركة اتفاقية سلام مع العدو الصهيوني، ليس هذا فقط، وانما تحوّلت حركة فتح الى سلطة فلسطينية، استعانت بها الجهات الامنية والعسكرية في الكيان الصهيوني، في توفير معلومات خاصة بقيادات ومواقع مقاومة، وفي مقدمة أولوياتها حماس والجهاد، تمهيدا لضرب فصائلها.

نشأة الحركات الاسلامية الفلسطينية

بدأت الحركة الجهادية الاسلامية في فلسطين مبكّرا، وتحت مسميات متعددة، كحركة (المرابطون على أرض الإسراء) و(حركة الكفاح الإسلامي)، وكان من الضروري تطوير هيكليتها، لتصبح في شكل تنظيمات مقاومة مسلحة، تمتلك قيادة سياسية لها وزنها على الساحة، واطارا عاما يسمح لها بالانتشار داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، وحمل قضيتها دبلوماسيا واعلاميا خارجها.

وطبيعي أن يكون للثورة الاسلامية في ايران (11/2/1979)، أثر جيّد ومهمّ، في دعم ونصرة الحركات الجهادية على أرض فلسطين، خاصة وأنها كانت قد تبنّت في أولويات شعاراتها الاسلامية، مسألة تحرير فلسطين، فأسس الشهيد فتحي الشقاقي، بمعية ثلة من الشباب الفلسطيني الثوري، المتأثر بثقافة الثورة الاسلامية في ايران، حركة الجهاد الاسلامي، في 1/11/1981، وتأسس بعد ذلك جناحها العسكري (سرايا القدس)

فتأسست حركة حماس في 6/12/1987، على يدي الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وذراعها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، وهي تعتبر كبرى حركات المقاومة الاسلامية، ولها حضور جهادي كبير، في ساحة مواجهة العدوّ الصهيوني، واستطاعت بمعيّة شقيقتها الجهاد الاسلامي، وبقية الفصائل في فلسطين، ايقاف عربدة وغطرسة الالة العسكرية الصهيونية، وتكبيدها خسائر فادحة نتيجة اعتداءاتها، وترجيح معادلة المقاومة، وتقديمها في أجلى صورة، للطريق الواجب سلوكه، في مواجهة عدوّ لا يفهم غير لغة القوة.

انحراف فتح وتخليها عن خيار المقاومة المسلحة، وتحولها الى سلطة فلسطينية، ودخولها في مسارات تفاوض عقيمة مع العدوّ الصهيوني، خضوعا لإرادة أمريكا والغرب، ضيع على المقاومة الفلسطينية، فرصة العمل الجهادي المشترك، ووحدة الصف الفلسطيني، ومنح للعدو مجالا أكبر للمناورة، في تضييع حقوق الشعب الفلسطيني، في استعادة كامل أرضه، وعودة مهجّريه منها اليها.

لقد تبين منذ مؤتمر (مدريد/اسبانيا) 30/10/1991 وما بعده، ومفاوضات (أوسلو/النرويج) 13/9/ 1993 وما بعدها، أنه لا مجال للحديث عن إمكانية تحقيق طموحات وآمال الشعب الفلسطيني، في استعادة السيادة على ارضه المحتلة، وقد بدت سنوات المسارات التفاوضية عجافا، لم تجلب للقضية الفلسطينية سوى مزيد من التنازلات، وضياع الحقوق المشروعة.

فما عرفه الغرب بزعامة امريكا، عن إيران الاسلامية، ومشروعها الحقيقي والجاد في تحرير كل  فلسطين، جعله يستحث الكيان الصهيوني على الانسحاب من سيناء، على ثلاث مراحل بدأت في26 مايو 1979، وانتهت في 19 نوفمبر 1979، بعد أن أمضى السادات معاهدة السلام في 26 مارس 1979.

لقد كان المخطط الغربي الصهيوني، يقضي بتحييد دول محور المواجهة مع الكيان الصهيوني الاربعة وهي، مصر، سوريا، الاردن، ولبنان، فحيّدت مصر في عهد السادات، وحيّدت الاردن في عهد حسين، في 26 أكتوبر 1994 ، حيث تم التوقيع على معاهدة استسلام، خلال حفل أقيم في وادي عربة المحتلّ.

ومع تنامي محور المقاومة، الذي شكّلت لبنان واجهته الهامة، بتأسيس حزب الله سنة 1985، وقيامه بعمليات عسكرية نوعية، مهدت لانتصارين كبيرين، سنتي 2000 و2006 على الجيش الصهيوني، الذي كان يعرف بالجيش الذي لا يقهر، واستحالة أن تستجيب القيادة في سوريا للاستدراج الغربي، ولا للتهديد الصهيوني، بدأ فصل جديد من المؤامرة على المنطقة، بإدخال الارهاب الوهابي التكفيري، كأداة اخضاع وتفتيت وتشتيت جهود كل من لبنان وسوريا، في مواجهة محتملة مع العدو الصهيوني، وتحويلها وصرفها عن هدفها الذي تأسست من أجله، وكان لا بدّ من التصدّي لآفة ارهاب، مكنت لها أمريكا وحلفاؤها من التواجد ميدانيا، على اراضي كل من لبنان وسوريا والعراق، لكنه بجهود هذا المحور المبارك، أمكن تحقيق انتصار كبير على الارهاب، الذي كان يأمل الغرب منه، الإبقاء عليه كعنصر تهديد، وعدم استقرار للمنطقة فترة طويلة، وبالتالي مزيد ضياع القضية الفلسطينية.

صفقة القرن التي تريد أمريكا فرضها بكل الوسائل بدأها الرئيس الامريكي بإعلان نقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة، والبدء في اجراءات تنفيذ قراره الى يوم نقلها، في تاريخ يتوافق مع الذكرى السبعين لقيام الكيان الغاصب، لم يكن عملا دبلوماسيا حكيما، وانما كان محاولة منه لرفع المعنويات المنهارة، لكيان بدا غريبا منذ تأسيسه، وشكل حالة شاذة في هذا العالم، ما كان لها أن تكون وتبقى، لولا الدعم والاسناد الغير محدود لدول الغرب.

إذا نحن اليوم على اعتاب فصل جديد من المقاومة ومواجهة الاعداء المتكالبين على فلسطين، غربا منحازا واعراب متأمرين، وسلطة فلسطينية لم يعد لها دور غير الخضوع أو الصمت، وتدو كلمة الشعب الفلسطيني لحد الان هي الفيصل في ملفّه، وزمامها بيده وكلمته قالتها جماهيره، ورددتها نخب الجماهير العربية، واتخذت منها طريقا الى مقاومة مؤامرات اعدائها، ولن يطول زمن مشاهدة فلسطين والقدس، تعود الى احضان الامة الاسلامية، في يوم عظيم مشهود، بفضل المقاومة ولا شيء غير المقاومة.

تعليقات الفيسبوك